الشيخ محمد مهدي شمس الدين

194

التاريخ وحركة التقدم البشري ونظرة الإسلام

والإمام يرى أن من الهموم الكبرى لنظام الفتنة المنتصر تشتيت القوى السياسية والعقيدية المناهضة له ، سواء أكانت هذه القوة أو تلك قد حافظت على نقائها الإسلامي أو تلوثت بغبار الفتنة بشكل أو بآخر . ولكنه يرى أيضا أن محاولات نظام الفتنة لتشتيت القوى المضادة له لن تستمر في النجاح ، فان حركة التاريخ تعمل على تجميع هذه القوى من جديد وفقا لصيغ سياسية جديدة ، ويكون ذلك إيذانا بنهاية الاستقرار لنظام الفتنة الأموي . قال عليه السلام : . . . وأيم الله لو فرقوكم تحت كل كوكب ، لجمعكم الله لشر يوم لهم ( 1 ) . وقال عليه السلام : افترقوا بعد ألفتهم ، وتشتتوا عن أصلهم ، فمنهم آخذ بغضن أينما مال مال معه على أن الله تعالى سيجمعهم لشر يوم لبني أمية ، كما تجتمع قزع الخريف ( 2 ) ، يؤلف الله بينهم ، ثم يجمعهم ركاما كركام السحاب ( 3 ) ، ثم يفتح لهم أبوابا يسيلون من مستشارهم كسيل الجنتين ، حيث لم تسلم عليه قارة ، ولم تثبت عليه أكمة ( 4 ) ، ولم يرد سننه رص طود ولا حداب أرض ( 5 ) ، يزعزعهم الله في بطون أوديته ( 6 ) ثم يسلكهم ينابيع في الأرض ، يأخذ بهم من قوم حقوق قوم ، ويمكن لقوم في ديار قوم وأيم الله ليذوبن ما في أيديهم بعد العلو والتمكين كما تذوب الألية على النار ( 7 ) . *

--> ( 1 ) نهج البلاغة - رقم النص : 106 . ( 2 ) القزع : القطع المتفرقة من السحاب . ( 3 ) ركام السحاب : السحاب المتراكم . والمستشار مكان تجمعهم وانطلاقهم ثائرين ، وسيل الجنتين السيل الذي دمر الله به قوم سبأ وحضارتهم عندما طغوا وبطروا . ( 4 ) القارة : ما اطمأن من الأرض . والأكمة : ما ارتفع من الأرض ، يعني أن الكارثة ستكون شاملة عليهم لا يفلت منها أحد منهم ولا مؤسسة من مؤسسات دولتهم . ( 5 ) السنن : الجري ، والطود : الجبل العظيم ، والحداب : المرتفعات . والمراد هنا هو المراد في رقم ( 3 ) . ( 6 ) يزعزعهم : يفرقهم في بطون الأودية حيث يختفون ، كناية عن أماكن اختفائهم ، ثم يجمعهم . ( 7 ) نهج البلاغة - رقم النص : 166 .